رهانات الكتابة
كتبهاهشام البرجاوي ، في 17 يوليو 2008 الساعة: 19:33 م
القارىء و الكاتب: من يقرأ لمن؟
إن الحافز الأساسي الذي يدفع صاحب فكرة ما إلى مناقشتها مع الأغيار هو ادراكه الإنطلاقي لامكانية فهم الفكرة ومحاورتها من لدن المستقبل أو المستهدف. التفاعل المنبني على مبدأ الإستفادة والإفادة المتبادلتين و احتمالات الإصلاح أأمن طريقة تحجز نشوب الصراعات الحادة بين طرفين أو مجموعة أطراف مختلفة. الصراع عملية منتجة، لكنه يبقى المدخر الأخير، فمن غير المسؤول أن يوصف أي نوع من الصراعات الفكرية أو العسكرية بالعبثي. شراحيا بنية الصراع تتسم بوجود ثلاثة مكونات رئيسية: طرفي الصراع و الحليف، و بالنتيجة يكون موقف العبثية صادرا من المنهزم أو أحد حلفائه و يكون موقفا غير شرعي نظرا لافتقاره الى عنصر الإجماع الغائب في كل تقييم انساني لأي شكل من أشكال صراع. رهانات الصراع ليست موضوعي المركزي، إنما أريد أن أقول إن الصراع أحد أصناف الروابط التي تتركب بين الكاتب و القارى فحسب باعتبار أن خلق الإنسجام بينهما أمر صعب. و تفاديا للإسهاب في وصف مميزات و أنواع العلاقات التي يوجدها الفكر بين المعطي و المتلقي(فضلا عن آلية الحوار التي تجعل من فعاليتي التلقي و الإعطاء متعاكستين دوريا) فإن الكاتب يضع ذاته في مقابل الأفكار التي يعي أهمية وصولها إلى القارىء، فيكون بنفسه معطيا و متلقيا في نفس الوقت فيصير الكاتب أول قارىء منهجي لنصه، و هذا نوع آخر من الحوار، نظرا لتشكله من انسان وحيد و نظرا لكون فعاليتي التلقي و الإعطاء متزامنتين يسمى مناجاة أو مونولوجا و هو في عالم الفكر، طبقا لاعتقادي، محدد جوهري لمدى نجاح أو أخفاق الحوار. تتوفر عوامل ثانوية تشارك في تكثيف الخطاب الفكري و توجيهه بسلاسة للحوار المنهجي بين المهتمين وتحديدا في القضايا السياسية و العقائدية الإستراتيجية، تتضمن العوامل الثانوية: اللغة و الخلفية المعرفية و التاريخية و الوجدانية، بيد أنها تظل أقل أولوية من عامل ممارسة الكاتب للقراءة المنهجية، وفق المستوى الممكن للتصورات المتعارف عليها لمفهوم القارءة المنهجية، على كتاباته لتمكينه من رسم احتمالات كبرى عن حجم وخصوصية التفاعل الذي سيقع بين مضمون نصه و قرائه.
الكاتب والثوابت
التحدي الأساسي الآخر و الذي يعترض مسيرة الكاتب أو المثقف بصورة شاملة، يتكثف في كيفيات مناقشة الثوابت واخضاعها دون ضجيج للفحص الدوري بدلالة المتغيرات المحيطية التي تحوم حول هذه الثوابت. إن الخصوصية الثقافية لكل مجتمع على حدة هي التي تخلق الأصول و الثوابت ومن الواقعي أن تتأثر الثوابت بدينامية البيئة الأنثروبولوجية التي تنتمي إليها. وبخلاف المجالات الإبداعية المرنة، فإن المثقف في قضية الثوابت مقيد باتجاهين منطبقين: اعادة التأكيد على صحة الثوابت أو المحاولات الإصلاحية التي تقتبس مرتكزاتها من التحولات الطارئة على الوسط الثقافي المنطوي على الثوابت و الهدف هوالمحافظة على تناغم الثوابت الجمعية( لأن الفرد هو المسؤول عن تحيين قناعاته الشخصية انطلاقا من تحليل ذاتي لوسط النشأة) مع العالم، أي المحافظة على حياةالخصوصية الثقافية للمجتمع. من هنا ندرك أن الكتابة ممارسة لحق الإختلاف و إن ارتبطت بموضوعات تستدعي الجرأة و الموضوعية. توجد أمثلة كثيرة لا يمكن أن نوردهابأسرها، ففي الهند التي توصلت الى بناء نموذج عصري للديمقراطية في آسيا، فئات عريضة من الشعب و بفعل التوعية الجماهيرية التي تزعمها مثقفون من أطياف متباينة انتزعت من فلكلور الثوابت مظهرا عنصريا خطيرا. سابقا كان المجتمع الهندي يحتوي على مجموعة Les intouchables أو مجموعة المنبوذين الذين لا يجوز حتى لمسهم، كما دخلت العديد من القبائل الإفريقية النائية في التاريخ الإنساني إثر تحررها من تقاليد و أصول سجنتها في هامش الإنسانية لقرون طويلة. الإنبعاث المفسر بالفعاليات الثقافية لا يشمل الجوانب الإنثروبولوجية فقط و إنما يغطي القناعات السياسية و العقائدية للمواطن،سياسيا، أدرك المغاربيون أن السمة الطوباوية الإحتوائية للمشروع القومي حسب الأطروحة الشرقية تتعارض مع المعطيات الثقافية التي يتسم بها المغرب العربي، و عقائديا، تحرك علماء المغاربة والمثقفون ضد موجة التمهيد لمشروع التشيع في بلدان المغرب العربي، كان أبرزها حركةأنصار المهدي التي تبين أن منتسبيها مدعومون من دولة خارجية و من بعهدها خلية بلعيرج التي حاولت تمرير أسلحة متطورة إلى المغرب في مستهل خطة اقليمية تهدف الى زرع منظمة باسم:”حزب الله” في دول أفريقيا الشمالية السنية. كل هذه نماذج من التغييرات التي تخلقها الكتابات الإبداعية و التحليلية على مستوى الثوابت. الهجونةالدينية-السياسية أثبتت شعار:”السلام” و أن شعار:”المقاومة” و أن شعار “احياء الدين” كلها شعارات تمتح من الثوابت لكنها ليست بصفاء و أهمية الثوابت. كما أن كل من ينادي بمراجعة الثوابت السياسية و الدينية على الصعيد المذهبي الضيق ليس شيطانا رجيما. كل هذه التحولات الراديكالية في الدين و السياسة و التي حدثت في كثير من ربوع العالم تعتمد على مفعول التوعية الثقافية و المعرفية التي يستطيع المثقفون تدبيرها دون الحاجة إلى احداث أي توتر مع الدولة و ضماناتها الأمنية.
الاستشراف: موهبة الأديب-الظاهرة:
تحدي تطويرالثوابت المجتمعية و ترشيد تداعياتها التعبوية لا يقل حساسية عن اشكالية الاستشراف في الإبداع الفني و الكتابي تحديدا. يروي التاريخ الأدبي عن نبوءات عبقرية يسيطرعليها مبدأ الوحي، فالأدب الروسي توقع نهاية النظام القيصري و اندلاع ثورةالبلشفيين قبل أكثر من قرن على حدوثها، فضلا عن مساهمة روايات الخيال العلمي في دفع العقل الرياضي نحو طموحات غزو الفضاء و مكننة الحياة البشرية و افتتاح عصر الهندسة الوراثية. هذه الإنجازات العظيمة للعلم تعود الى صفحات روايات أدبية لأدباء عمالقة لم يكن للعرب نظرا للإهتمامات الذاتية و النزعات الميثولوجية المتطرفة و أحياناالجنيالوجية دور يذكر فيها باستثناء عباس بن فرناس الذي حاول منذ القديم بجناحين مصطنعين أن يحلق فأنهى حياته. لقد شهد مطلع القرن العشرين عند العرب طفرة في الدراما و الشعر الإحيائي، انقلبت فيما بعد الى تجارب ذاتية معزولة، تداري عجزها عن المشاركة في الواقع العلمي بمحاكاة المعاناة العاطفية في أماكن مضطربة، آن موعد فهم أن الآلام العاطفية تزول بدلالة التقدم العلمي و التكنولوجي الذي يستفيد من المخيال الأدبي و الفلسفي. إن منحى الكوجيطو الانعزالي الذي تخلى عنه الغرب منذ أكثر من قرنين من الزمان ينفجر تدريجي افي المشهد الأدبي العربي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ملخصات فكرية. | السمات:ملخصات فكرية.
دوّن الإدراج

























يوليو 17th, 2008 at 17 يوليو 2008 8:19 م
في الجزء الاول من مقالك ناقشت فكرة كنت قد ناقشتها من قبل …. يبدو لي ان هناك توارد افكار بينك و بين الزميل الهبري .. كل منكم تناول زاوية محددة .. الا انك هنا عدت و اسقطت الفكرة على المجتمع المغاربي و تفاعله مع ما يكتب ……..
من ناحية اخرى …. دائما ..كان الفكر و الادب و الفن سباقا في الاستشراف …. ربما لان القلب هو مستودع الحقيقة …
تقبل تحيتي
يوليو 18th, 2008 at 18 يوليو 2008 4:36 م
أحبائي
قمنا بإنشاء جمعية الإعلام و الثقافة العربية بفرنسا
لمن يهمه الامر مراسلتي
اختكم أمل
يوليو 22nd, 2008 at 22 يوليو 2008 9:23 م
يحتاج كل كاتب أصيل إلى مبدأ ثابت يتلخص في الاستعداد التام لقبول الاختلاف، حتى ولو كان المختلفون أو المعارضون على خطأ، لذلك، حين يخرج الحرف من جعبة الكاتب يجب أن يحمل معه تلقيحا يحمي من التشنج والتعصب والعبودية للردود الإيجابية. الكاتب الأصيل لا ينتظر آراء الآخرين، إنه يعبر عما يحس، ولذلك أيضا يكون الأدباء الكبار مختلفين ومستشرفين يرون ما لا يرى الناس. إنها نعمة نادرة بين الناس، لا بين الكتاب أنفسهم
تحيتي لك الصديق هشام