فلسفة متدينة.
كتبهاهشام البرجاوي ، في 14 أكتوبر 2006 الساعة: 22:24 م
مظاهر جمالية و تألق شهر رمضان متنوعة و متباينة، تضفي على الاطار الديني للشهر الفضيل نكهة انسانية ثقافية تزيد من رونقه و نضارته، فتصيره مناسبة موسمية لتصحيح المعاملات و استذكار الانتماء العقائدي الاسلامي و محدداته.
و عند الحديث عن مواصفات و مميزات شهر القرآن فان الاشارة الجلية موجهة الى المفهوم الكوني للسلوك المعنوي و التطبيقي البشري حسب العقيدة و الشريعة الاسلامية. و الميزة الحساسة و العصبية في الشهر الكريم تقديمه لفرصة حقيقية للمراجعة و المساءلة الذاتية وفق الضوابط الاسلامية، فبفعل التغيرات الجذرية التي طرأت على العالم الراهن، فان تطبيق و ممارسة الاسلام ستختلف و ستتجسد في نصرفات مستحدثة مستمدة من الموروث الحديثي الرسولي و الآيات القرآنية المقدسة، و يلاحظ ضمن نفس السياق اتجاه فريق متزايد من المسلمين نحو الجانب الشكلي الصوري من الميثاق الاسلامي الصارم، اذ نلاحظ تفشي نماذج من المسلمين المبتعدين عن الممارسة و التطبيق الدينيين ليتشبثوا بمبادىء و قواعد الديانة المعنوية. كما نسجل تصاعد عدد من المسلمين غير المصلين و الصائمين، في خرق سافر و اجرائي للأولوية التاريخية لعبادة الصلاة بعد تفعيل اقرار الدخول الشفهي و الذهني في الاسلام. و أشكال و تجليات الانحراف عن المنهج الاسلامي متكاثرةن بدءا من السلطات و الحكومات الرسمية و انتهاء بأفراد من الجماهير المسلمة، و لن نستطيع الاحاطة بهذه الانحرافات في ادراج مصغر و مقتضب، غير أنني أرى أنه بات من الضروري و الالزامي الاسهاب في عرض و مناقشة عينة من تشكلات الزيغ عن أوامر و توجيهات المعتقد الواجبة.
بالنسبة لمثال الصائمين غير المصلين، فان التفسير المنطقي و المقنع رهين باستحضار أحاديث نبوية مدققة دالة على الأهمية القصوى للصلاة كعماد للدين و حد شرعي فاصل بين الايمان و الكفر، استنادا الى ما قاله النبي المفدى صلى الله عليه و سلم:"العهد الذي بيننا و بينهم الصلاة،فمن تركها فقد كفر". و الحديث المقترح ليس الا قطعة رئيسة متممة للنظرية الاسلامية التعبدية الجامعة و المازجة بين : تكميل و اعلان البيعة الالهية العقلية و الذهنية و المعنوية من خلال نطق الشهادتين ثم تفعيل الأبعاد و الامتدادات التطبيقية و المادية التابعة لترسيم العقد المعنوي.
و اذا ما أخذنا مفهوم العبادة في الاسلام من منظور عام فسنجد أن العبادات العملية تجسد بطاقة هوية حقيقية و منقحة للمؤمن و الدليل الدامغ الكاشف بصدق و اطلاق عن ماهيته المعتقدية، فلن نقول عن شخص انه مسلم الا اذا كان يداوم على أداء الصلاة و يصوم و يلتزم و يتفانى في تقويم سلوكاته و تنقية أخلاقه و صفاته. و كما استشرى في الوقت الراهن قانون فعالية و نجاعة الحياة المادية بالغرب كأساس لتصليب الوجود الانساني و تأليقه، فان الخصوصية التطبيقية في الطاعات الاسلامية تصنف كبراهين قاطعة تحدد بدقة نوعية المعتقد و نمط التوافق مع بنوده و تشريعاته.
و يمكن أن نضع استنتاجا شاملا يقترح مقاربة متطورة الى مفهوم العبادة في الاسلام حسب معادلة استيفاء الشرط المعنوي و ربطه بمتممه التطبيقي، و هو أن الاسلام قول سديد و فعل مرادف لسدادة القول و حصافته.و حلقة الوصل بين القول و الفعل معطى هام لتخليص الاسلام من الحقل الروحاني العالق المجرد و المزاولة و المواظبة المجهدة و المضنية، و انما نكتفي بجرد لائحة من الشروط المعنوية لمقابلتها بمتمماتها الحركية و العملية.و في هذه المرحلة من التحليل يبرز مبدأ الاعتدال و التوسط الذي تتبناه العقلية الاسلامية و جعلته المحرك النواتي لبناها العقائدية و التشريعية و التعبدية، مصداقا لقول سبحانه و تعالى:"و كذلك جعلناكم أمة وسطا"، بمعنى تحديد مناخين متجانسين للمسلم: مناخ روحاني كياني داخلي يعزز الصلة بين الانسان و موجده، بالاضافة الى قوانين دنيوية لتقنين السلوك الاجتماعي للمسلم و تقويمه. و الارتكان على القول و الفعل قانون بديهي و طبيعي اجتاح جميع تشكلات الثقافة و الفكر البشريين، لنفترض أن شخصا ما قرر الانضمام الى حزب معين، فمن الواجب عليه أن يتفحص و يؤمن باطاره النظري و يترجمه الى أفعال و وقائع ليصنع مساحة تطبيقية مرادفة لمصادقته على مقتضيات الاطار النظري و تظافر العنصر القولي و العنصر الفعلي يترتب عنه : "الانتماء الفعال و المنتج".
ذات الملاحظة تنسخ على الانتماء اللغوي و التاريخي و الجغرافي الذي يعد خليطا متمازجا بين الفهم النظري و الترجمة المادية. حتى ان ابتكار مشروع كيفما كان يحتاج حاجة لازبة الى دراسة نظرية تسبق احالة نتائجها على الحيز المادي.انه قانون كوني طبيعي احتواه الدين الاسلامي.
و اذا ما تأملنا في الادراج، خصوصا كلماته و مصطلحاته، فانها تتوزع على حقلين دلاليين: حقل مفاهيمي نظري يضم كلمات من قبيل :"معنوي" و "قول" و "ذهن"، و كلمات مقابلة مكملة تضم :"قول"و "تطبيقي" و "مادي" يمكن أن نضعها في حقل تطبيقي عملي. و هذه الملاحظة تبقى سارية في الفقرات التي تحدثنا فيها عن الانتماء الاسلامي و ايضا في الفقرات التي تحدثنا فيها عن الانتماء البشري في بعده العام. و بايجاز: فان المسار الكوني للفكر البشري يزاوج بين النظري و التطبيقي. و نلاحظ ان الاسلام يحتوي على هذه القاعدة الطبيعية و الكونية، فهل يمكن ان نقول انه دين مناسب للبشرية قاطبة؟.اترك الجواب الشافي لكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مشاغل دينية. | السمات:مشاغل دينية.
دوّن الإدراج

























أكتوبر 17th, 2006 at 17 أكتوبر 2006 1:37 ص
أخي هشام، طبعا فالإسلام دين يسع الكل و الرسول صلى الله عليه و سلم بعث للناس كافة، قال تعالى :”و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
فالنظام الإسلامي يعترف بالرسالات السماوية والرسل السابقين، عليهم أفضل الصلاة والسلام، وكتبهم المنزلة فالإسلام في الحياة الواقعية العملية يقر ما عليه الآخرون ويتسامح مع غيرهم ويتعايش معهم، سواء كان ذلك داخل البلاد الإسلامية أو غيرها. تجنباً للصراع والتصادم ومنعا من تدمير مقومات الحياة الآمنة، فالإسلام حريص على الحفاظ بقدر الإمكان على مقتضيات الجسور المشتركة بين الناس، ومن غير يأس في تحقيق الغاية الكبرى في تعريف الناس كافة برسالة الإسلام الخالدة.
وفي القرآن الكريم دلالة واضحة على مبدأ التعايش السلمي والتسامح مع غير المسلمين: {لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}.
و الإسلام دين الحوار و دين المحبة و السلام و لست في هذا التعليق المقتضب بحاجة إلى تعداد مزايا الإسلام فهي أكبر بكثير من أن يسعها حيز ضيق كهذا…
و العلم مهما بلغ فضله ليس إلا وسيلة للعمل، ولا يكون له من الثمرة إلا بقدر ما يعمل به، و العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر. و يمكن تلخيص أسباب التباعد بين القول و التطبيق إلى ما يلي:
أولا : ظن العديد من الناس أن العلم كاف في نيل السعادة الخالدة، و أن العمل لا دخل له فيها بالمرة، فانحلت بهذا عقدة الإسلام، و امتهن أمر الدين، فضاعت حكمة التشريع و إرسال الرسل و إنزال الكتب.
ثانيا: القدوة السيئة بالعلماء فإذا كان العالم نفسه مثال التهتك و الاستهتار و التهاون بالعمل و بالدين فما ظنك بتلاميذه؟
ثالثا: ضعف الإيمان و العجز و الكسل عن تحمل مشاق العمل الذي يأمر به الدين ..
رابعا: سكوت العلماء و ظهور بالتالي دعاة الإنحراف و تمييع الدين من طرف أنصار مقولة “الدين لله و الوطن للجميع” و غيرها من الأقوال الضالة..
هذا بإيجاز ما يمكن إضافته للإدراج..و مزيدا من التواصل بإذن الله تعالى.
أكتوبر 17th, 2006 at 17 أكتوبر 2006 4:39 ص
إدراج موفق ،واصل جزاك الله خيرا، ولك مني كل الود
أكتوبر 17th, 2006 at 17 أكتوبر 2006 7:43 م
الصديق هشام .. حفظك الله
مناقشة عقلية جميلة لمفاهيم الايمان و السلوك جاءت في ادراجك .. و الايمان هو ما وقر في القلب و صدقه العمل … لذا المفارقة التي تحدث في الكون كله هي مفارقة من شقين : عند المسلمين يوجد ما يدعون بأنه ايمان في القلب و ليس لديهم السلوك النابع عنه و الذي هو بالضرورة لا ينفصل ابدا عنه
و في الغرب ننظر الى الكثير من الممارسات السلوكية التي أهل الايمان هم أولى بتطبيقها و لكن في الغرب هذا لا يحدث من منظور ايماني بل من منظور ان هذا هو افضل ما توصلت اليه خبرتهم
و سؤالك ايصلح أن يكون دينا كونيا .. نعم يصلح .. بل و اقول دينا أمميا لكل الأمم
أكتوبر 18th, 2006 at 18 أكتوبر 2006 5:54 م
مناقشاتك موزونة وعقلانية وتدل على أنك انسان مثقف ودارس لكل المجالات ……..وفقك الله
أكتوبر 18th, 2006 at 18 أكتوبر 2006 8:32 م
أولا أعتذر عن الغياب الطويل لدواع صحية الزامية.
الأخ سعيد:
أشكر فيك تفاعلك البناء المستمر مع المدونة.بارك الله فيك.
الأخ المصطفى اسعد:
أثمن لك الزيارة التفقدية الميمونة و تقبل تحياتي.
الأخ الواثق بالله:
مهما بلغت من النسقية في مقالاتي فان فكرتك بتاسيس مدونة تعنى بتعريف النبي عليه السلام تبقى رائدة و هامة.وفقك الله.
السيدة أمال:
شكرا على الاطلالة البهية و تقبلي متمنياتي بالتوفيق الدنيوي و الاخروي.
أكتوبر 18th, 2006 at 18 أكتوبر 2006 9:06 م
تحية طيب … قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الدين المعاملة )) ولم يقل العبادة .. وقال ايضا (( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله الا بعد ا )) اضافة لحديث الاعرابي الذي بايع الرسول على اركان الاسلام الخمس وقال لن ازيد عليها .. فقال رسول الله ( ص ) افلح ان صدق …. ومن قبل هذا العديد من الايات .. والعديد من الاحاديث .. قد تناولت جدلية الروحانية و المادية في الاسلام ….. وذكر في القران (( مما كسبت ايدكم )) وما الى ذلك من التعابير مايدل ان ديننا دين عمل وعقل و منطق بالدرجة الاولى ثم الارتباط الروحي .. على ان الاسلام بني بشكل اساس على رفع الحيف و الظلم و اعلاء مكانة الانسان و احترام فرديته و خصوصيته الى ابعد حد … وحافظ على حقوق المجتمع بشكل متوازن … ولم يذهب مذهب الفكر الغربي الذي يهرب من المشاكل الى امام فلا يجد بدا من تقنين الانحراف و شرعنته بدلا من اصلاحه او اجتثاثه ..مثلا زواج الذكور بالذكور و الاناث بالاناث … وبدل تشريع قانون للزواج منطقي وشرعي عمدوا الى اشاعة العلاقات الغير شرعية باسم الحرية …. والحديث في ذلك طويل لا يكفيه مقالة و لا تعليق …. وشكرا لك
أكتوبر 20th, 2006 at 20 أكتوبر 2006 8:15 م
أهلا أخ عماد، أسعد دائما بمشاركاتك المفيدة، و سلم لي على الشعب العراقي العظيم.