أجيال التغيير: الفكرة لم تمت.

بعد انهيار الأنظمة الثورية العربية تباعا انفجر سد التشخيص لاخماد ما يشبه حريق الصدمة المفرطة الذي أعقب اغتيال حلم الارتقاء بالأوطان العربية إلى مستوى الشريك في صناعة الأحداث الدولية.

تلافيا لتكرار نفس الخطأ، يتوجب على الراغبين في التطور أن لا يسقطوا أمام اختبار التطبيق.

                             هشام البرجاوي / عماد السامرائي

                                                            أجيال التغيير


 

                

              



 

الرجل و الدرس

كتبهاهشام البرجاوي ، في 6 أغسطس 2008 الساعة: 19:41 م

من  المحاسن القليلة الجديدة للزعيم الليبي معمر القذافي اقتناعه التام بانعدام جدوىالإستمرار في الهتاف للفكرة القومية أو بالأحرى الشعار القومي الملطخ بدماء كل الشعوب العربية. فاقتراحه لمشروعي الوحدة الإفريقية و احياء الدولة الفاطمية في شمال إفريقيا أثبت أن الكولونيل فهم جيدا الدرس العراقي و من قبله المآل القاتم للقومية في سوريا و مصر. أفترض أن الكولونيل تأكد من حقيقة يحاول كثيرون اخفائها أو التحايل عليها، الحقيقة تقول إن التيار القومي كان فقط جزءا من الفترة الشيوعية السابقة التي اتسم بها التاريخ العالمي المعاصر و لم تكن نتيجة لحراك عربي جماهيري. و بعيدا عن السرد التاريخي فإن الذين قاموا بثورة يوليو عسكريون و ليسوا مواطنين مدنيين و هذا ما يفسر نشوء أنظمة الحزب الوحيد الدكتاتوري و بنفس الآن الوطني في كل البلدان التي مسها نسيم أو شواظ ثورة الضباط الأحرار. كما تشتهر الأحزاب القومية بوجود خوف متبادل فيما بينها، كلها تعمل من أجل نفس الهدف لكنها غير مستعدة مطلقا لخسارة الريادة الفئوية. و قد حكى صدام حسين عن المضايقات التي شملت البعثيين في مصر أيام عبد الناصر. كانت أحزابا مفرداتها الأساسية الإستفراد و الإحتواء و العاطفة قبل أي إصلاحات سياسية أو اجتماعية.

في الواقع، كنت أتوقع هذه الإستفاقة من جانب القذافي، فهو آخر من تبقى من الذين كانوا يطلقون على أنفسهم و التنظيمات التي ينتمون إليها العرب التقدميون. الأفكار التي أتى بها العقيد تبقى دليلا وحيدا و غير كاف، الدليل الملموس الذي يكشف بوضوح عن خلع الفكر القومي العربي ضمن أولويات النظام الليبي الذي يختصره شخص الزعيم الشعبي، هو الإيمان العميق بالشرعية الدولية!!! و الدفاع العملي عن استقلالها عن السياسة الأمريكية. خلال القمة العربية الأخيرة في دمشق، وجه القذافي نقدا احيائيا إلى القادة العرب، و ذكرهم بحدث اغتيال الرئيس صدام حسين و الرمز الأبوي الفلسطيني ياسر عرفات. في هذه الذكرى استهدف القذافي الإدارة الأمريكية، لكنه قبل ساعات انتقد إيران على عدم مرونتها مع الطروحات التي قدمها المجتمع الأورو-أمريكي أي المجتمع الدولي. لقد أظهر القذافي في هذا المثال و غيره من الأمثلة العديدة المشابهة له، أنه انخرط في لعبة التجاذبات السياسية الدولية أي في لعبة تناقضات المصالح الإمبريالية و هو الزعيم الذي امتطى الثورة ليصل الى السلطة في ليبيا، لم يكن الوحيد الذي أججها طبعا، رافقه كثيرون، لكنه تعلم من عبد الناصر و بومدين و صدام أن يتغذى بالرفاق قبل أن يتعشوا به. و بتنفيذه لهذه الحكمة القومية التقليدية ينجو من مصير الرئيس أحمد بن بلة الذي ساهم في إشعال الثورة الجزائرية و بعد تأسيس الجمهورية الجزائرية و بلوغه الرئاسة، لم يحتج طرده إلا إلى دهاء رفاق العمل الوطني. أعتقد أن الرئيس بن بلة يشعر بمرارة هذا الخطأ، فلو قلد عبد الناصر و حافظ الأسد و صدام و غيرهم من ممثلي القومية العروبية، فاستأصل كل الرفاق لبقي في الحكم سنين مديدة و لحصل في كل انتخابات رئاسية يخوضها على نسبة 99 بالمائة…ربما كان بن بلة رجلا شريفا بحث عبثا عن أرضية متينة لبناء ديمقراطية سليمة. الفشل لا ينتقص من القيمة السياسية لمساره، فلطالما نادى الزعماء بأهداف سال لها لعاب الشعوب دون أن يفكروا للحظة أنهم قادرون على تحقيقها

للقذافي حسنة أخرى تتراءى في وعيه بالتخلف الفكري الذي يتخبط فيه المشرق العربي. كتب الآداب و العلوم التي كانت تصل بلدان المغرب العربي من العراق و سوريا رسمت صورة مزيفة عن حقيقة المجتمعات الشرقية على المستوى الثقافي. زيف هذه الصورة أو مبالغتها في تأليق الواقع المشرقي على الأقل يرجع إلى سبب رئيسي يكمن في إعطائها أكثر مما تستحقه، فلم تكن سوى مساعدات شرقية لحركة التعريب بالمغرب العربي و التي كانت الجزائر و المغرب و تونس بحاجة ماسة إليها لمواجهة البقايا الثقافية الإستعمارية و بخاصة اللغة. نفس المعارف التي تضمنتها الكتب العربية كانت فرنسا تدرسها للمغاربيين، الفرق فقط كان اللغة و هو ما سعت الكتب الشرقية وقتئذ الى محوه في محاولة تمهيدية للتكامل القومي منيت بإخفاق جسيم. إثر انهيار نظام صدام حسين تعرت حقيقة المشرق العربي، شعوب لا تزال تحاصرها الأوهام و الترهات الظلامية، شعوب لا تمتح لإنسانيتها أي معنى و هذا ما يظهر لنا عند متابعة تصرفات الشيعة في مناسباتهم الدينية بالعراق و لبنان و غيرهما، لطم و تمثيل بالأجساد حتى أن الأمهات و الآباء يشركون قسرا الأطفال في هذه الطقوس التي لا يمكن أن توصف إلا بالمتخلفة. و الأكثر خطورة من هذه المظاهر المروعة أنها ألحقت تشوها سافرا بالعقيدة الإسلامية، تشوه اكتسح كل جهود التنوير التي بذلتها الأنظمة الوطنية طوال عقود من الزمان، ففي العراق احتاج التخلف و الظلام لخمس سنوات فقط ليحتل الواقع الثقافي على غرار احتلال ايران و أمريكا للواقعين الإقتصادي و السياسي.

 عندما عاين الكولونيل الليبي كل هذه الأعاجيب المرعبة سارع الى تطبيق المثل المغربي اللي خاف نجا.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المشهد العربي. | السمات:
  دوّن الإدراج  

12 تعليق على “الرجل و الدرس”

  1. هل تحترم اصلا شخص القذافي ؟ لتترك له هذه المساحة من الفكر ؟

    الا تشك بقواه العقلية ؟

  2. الأخت الكريمة حلا:

    طبعا لدي احترام لشخص القذافي و لا أشك في قواه العقلية، إنه اليوم أدرك مغزى الطوباوية المشرقية المخادعة.

    مع التقدير

  3. هل تعاني من عقدة الشرق ؟ ايها المغاربي

    الطوباويه بحر خيال ومتاهة واوهام فهل كانت حضارة الشرق كذلك ؟

  4. أستاذة حلا:

    لا أعاني من هذا النوع من العقد، أدعوك إلى قراءة إدراجاتي السابقة قراءة سريعة و دون تعب لتدركي أني من المؤمنين الناسكين بحضارة الشرق، لكنني لم أمتنع عن النقد و إظهار مظاهر الضعف الشرقي الرهيب مثلما كان الدأب على ترديد مفردات المجد و الخلود لصالح بعض النقط المضيئة المتضائلة التي أوقدها الشرق.

    كوني بخير

  5. صديقي العزيز الاستاذ هشام ….

    تحية طيبة .. و دعني اصارحك …

    لم ارك تتمتع بوضوح الرؤيا بهذا القدر من قبل .. لا انفي عنك وضوح الرؤيا .. بل اقول انها اليوم اشد وضوحا ……

    أقاسمك افكارك … و للتأكد .. عد الى قصيدتي الجديد (( وداعا للسلاح )) .. ادرجتها بعد تعليقك الاخير ….

    من ناحية اخرى فقد تحدثت سابقا في ادراجاتي عن افكاري حول نشوء الاحزاب و الحركات في وطننا عند بدايات القرن الماضي .. اجد اليوم في كتابتك ذات المنهجية العلمية ما يؤيد رؤيتي الوجدانية تلك … وكذلك اجد عندك اليوم بعض المآخذ التي كنت اقول بها عن كل التجارب الوطنية و القومية السابقة ……..

    كذلك فقد توقعت منك هذا المنحى في تعليقي على ادراجك الذي اهديته للاخ العزيز خليفة حداد ..

    تقبل تحيتي و احترامي …..

    ملاحظة … ارجو ان لا نبتعد في نقاش الافكار الى زوايا ضيقة تتعلق بقناعتنا حول شخصية ما ……

  6. تحية جزيلة استاذ عماد

    ودع مع السلاح العروبة الصامتة…ودع مع السلاح القومية المنهزمة…ودع مع السلاح الثورة الآثمة…ودع مع السلاح الهوية المشلولة…ودع مع السلاح عبرات الجماهير…ودع مع السلاح أياما مزجت بتؤدة بين الجمال و الألم…

  7. يعجبني معمر القذافي حين لا ينافق بالديموقراطية، فهو لم يصنع أحزابا وصناديق اقتراع وصحفيين مأجورين ليطلق تراجيديا الديموقراطية الليبية، هو يقول بشكل مباشر أو غير مباشر أنه المرجع الوحيد سياسة وفكرا، لذلك أنشأ إطارات ملائمة مثل المؤتمرات الشعبية أو غيرها. في حين أن مصر التي تعتبر أقدم دولة عربية مارست الشكل الديموقراطي لم يكتب لها بعد أن تنتخب رئيسا ومنتخبين غير مزيفين إلى اليوم، ولو بقي حسني مبارك على قيد الحياة 100 سنة أخرى فإنه سينتخب “ديموقراطيا” للمرة السابعة والعشرين

    تحيتي لك ولفكرك المنقب عن السهل الممتنع

  8. التعاون العربى فشل لاسباب موضوعية

    لكن هى هى نفس الاسباب اللى تفشل اى تعاون افريقى

    التحول من مستحيل لمستحيل- هو رغبة بان يكون لدى الزعيم اى حلم مفاق للواقع يبشر به-ليعفى نفسه من مسئولياته المباشرة

    ان يجعل من بلده- دوله مؤسسات -محترمة- زى مخاليق ربنا- ويتعاون مع شعبه اولا -قبل الصراخ للتعاون والوحدة مع الجيران

    هو ده السبب الحقيقى لفشل التعاون العربى والافريقى

    انه مفيش دول اصلا- بالمعنى المؤسساتى- عشان تتعاون

    ويعنى لو رئيس دوله عربية مش عارف يتفق مع شعبه على تناوب الرئاسة بين سياسيين مختلفين-او احزاب مختلفه- كل 6- 12 سنة- بامارة ايه عاوز يتعاون مع الجيران

    يعنى لو رئيس عربى مش عارف يتعاون مع شعبه لتنمية البلد-كمؤسسات ومحاكم مستقله وجامعات لها قيمة وبرلمان له شرف و و -بامارة ايه عاوز يصدر افكاره للاخرين

  9. الأخ الفيل:

    كلامك فيه وجاهة و حصافة، الدول العربية لا تترادف مع المفهوم العصري للدولة، لا يزال منطق العشيرة و النسب مستفحلا في الأبجديات السياسية العربية و بخاصة في منطقة الخليج حيث ظهرت مجددا ليالي المدح بحق القائد المفدى و ما إليها من طقوس التخلف العربي المزمن…

    غير أنه من المنصف أن تكون نظرتنا دقيقة، فهناك تجارب عربية رسمية تستحق الإنطلاق منها لبناء رؤية جديدة.

    لك تحياتي

  10. كنت أتصفح أوراقا ثقافية فصادفت بيتين ذكراني بك و مدونتك وهاأنذا أدخلها لألقي تحية وسلاما و أتمنى لك أوقاتا سعيدة طيبة

    الأبيات:

    بالطيب بالحنة *** طيبتم الأعواد

    يارايح الجنة *** سلم على بغداد

    من قصيدة عنوانها جعلني أبتسم :”"سأحمل مئذنة فوق ظهري”"

    دمت بخير

    “Nounou

  11. حين تصطدم التلقائية بسوء الفهم أو التفسير علينا أن نهدي الآخرين صمتا جميلا و طويلا.

    فالصمت تعبير غير مؤذ لايعقد الأمور ولايزيد السوء حدة.

    لن أدعي التحلي بالرقة و الإنسانية لكنني سأتمنى للمدونة وصاحبها و زوارها يوما جميلا

  12. ببالغ الحزن و الأسى علمت يا نونو أنك حذفت مقالات مدونتك…قرار مجحف بحق مسيرتك التدوينية التي امتلأت بكل جميل و بكل مفيد…بل إنه قرار مجحف بحق قرائك و زوارك…عندما افتتحت مدونتك أصبحت ملكا جماعيا تتقاسمينه مع قرائك الذين شعرت بفخر الإنتماء اليهم…أنا حزين جدا و يبدو أن رغبة الكتابة ستفارقني لوقت طويل…و ربما الى الأبد



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر