محاصرة المساجد.
كتبهاهشام البرجاوي ، في 22 أكتوبر 2006 الساعة: 05:01 ص
يعتبر الحكام العرب الحاليون لصوصا محترفين لبيوت الله، و لا نعني بالسرقة، تلك النوعية المادية من السرقات، كسرقة المنازل و نهب المحلات، و انما نتحدث عن نوع متطور من اللصوصية، امتدت لتصير اطباقا حكوميا مزمنا على الانشطة الفكرية للمساجد، و اجبارها على القيام بدور "المفكر الاعرج"، الذي فقد قيمة ثقيلة من فعاليته و تأثيره، و بات يخاطب جمهور المستمعين خطابا مبهما خرق الموضوع الأساسي لاختصاصه الفكري. و اذا ما أردنا تحديد التعريف الاسلامي للمسجد أو بيت الله، فانه لا يقتصر على بناية مخصصة لأداء الصلوات و التعبد و التقرب الى الخالق عز و جل، بل ان المسجد مؤسسة عملاقة للتشاور و المناقشة بشأن قضايا المسلمين السياسية و الاجتماعية، لأن العبادة الكاملة هي المازجة بمعادلة و انصاف بين الشؤون الدنيوية و الثوابت الدينية.
و بتفحص تاريخ الدولة السياسية الاسلامية، فان الملاحظة اللافتة هي القرارات السياسية و التوسعية في عهد النبي عليه الصلاة و السلام، حيث كان يجتمع بصحابته الأجلاء و علماء الرأي العام و مساعديه العسكريين لمدارسة شأن الدولة و كيفيات تحديثها و تقويتها، و معظم قرارات الغزو و الفتح، اتخذت في المساجد نتيجة حوار بيني شامل و فاصل في أعقاب كل صلاة.و بالنسبة للدرجة السياسية للمسجد و صداه على المجتمع الاسلامي، فان الله سبحانه و تعالى خصص خطبة يوم الجمعة رسميا لبسط مشاغل و مشكلات المسلمين و البحث الحصيف في حلولها و مخارجها. و اذا ما تنبهنا الى أن خطب أيام الجمعة في عهد المؤمنين الأوائل ارتكزت على أداء دور موصوم في معظمه بالسمة الدينية، فان التفسير بسيط، و هو المرحلة الزمنية التي عاشتها الدعوة الاسلامية آنذاك و المتميزة ببداية الانتشار و الذيوع، فكان من الضروري و البديهي التركيز على المواضيع المعتقدية لتسهيل تفشي قواعد و تشريعات الديانة و ايصالها منقحة الى عقول المسلمين من أجل تطبيقها و تعميلها في وقائع معتادهم اليومي، ليترتب عن الاطار النظري للاسلام نواة مادية تتحكم في القطاعات الاقتصادية و أوضاع الصيرورة المجتمعية. و حين نتحدث عن انتقال الاسلام من آيات قرآنية و أحاديث نبوية الى سلوكات و ممارسات جماهيرية، فان القناة و الوساطة مرتبطتان نسبيا بمنبر يوم الجمعة اعتبارا لامتداداته الملموسة في ميادين السياسة و الفكر، الى جانب الأصل الديني الثابت غير المتغير.غير أن المرحلة التأسيسية من المسيرة الاسلامية انتهت، و قد تكفل بانجازها الجيل الابتدائي من المسلمين، و جاء وقت التوافق مع المستجدات، خصوصا و الوزن الدولي للأمة الاسلامية ضعيف و مترد، فكان من الواجب شرعا و منطقا اعادة تجدير المزاولات الدينية لتسهم في دحض التحرشات الخارجية المتفاقمة، و تسهم بالتزامن مع ذلك في تصويب المشهد الداخلي و تصحيحه. و قد أدرك فريق من المفكرين حساسية احتواء التحولات و المستحدثات فبرزت الى الساحة الفكرية الاسلامية تيارات مؤسسة داعية بشدة الى "تعصير" الاسلام أو بمصطلح أكثر شيوعا:"عصرنة الاسلام".و اذا ما دققنا التحليل في هذا المصطلح فان تركيبته اللغوية خاطئة و غير متجانسة، فالدين ليس بحاجة الى التعصير، بل ان أفكار العصرنة يجب أن تتجذر و تترسب في عقول منتميه و منتهجيه، ذلك أن معنى و مدلول العقيدة يتراءى في متبعيها و جمهورها، أما البنية الفكرية النواتية للمعتقد فعادة ما تطمسها و تدفنها و تجني عليها معاملات و مواصفات الجمهور بكافة أطيافه و توجهاته.
و في الوقت الذي نفصل فيه بين نظريات و مقاربات و اجتهادات لمنهجيات تحديث الانتماء الاسلامي، أو بكل موضوعية، توعية المسلمين بحقيقة انتمائهم، فاننا نستحضر عناصر و مكونات الدين المؤهلة و التي يجوز أن تستهدفها العمليات الاصلاحية، و في العموم، فان المجال الأليق بالتفلسف في تصويبه و تنقيته هو مساحة أو مجال المعاملات و التشكلات السلوكية داخل حدود المعتقد الاسلامي. و مجموعة من العناصر القابلة للاصلاح و ضعها عدد لا يستهان به من الباحثين و العلماء تحت الدراسة و اقترحوا رؤى و اتجاهات هامة للاصلاح و التطوير. و من بين العناصر التي من اللازم اللازب أن تبلغها اعادة النظر، موقع المسجد من حياة الفذ و الجماعة، و الدور الذي من الأجدر أن بقوم به ليضطلع بمهمة طلائعية اصلاحية و علمية عمليتين. فالمسجد يدنو من مستوى مؤسسة تعليمية كبرى هي "الجامعة"، لسبب حشره يوميا عددا معتبرا من المسلمين من أعمار متباينة، و عند استيفاء الفرض الديني، يتم التوجه نحو المهمة الحضارية الاشعاعية المتجسدة في عقد حلقات علم تنويرية، تستلب جميع المواضيع و الوضعيات التي يجابهها و يلتقيها المسلم أثناء مباشرته لنشاطه الاعتيادي، عوض الالتزام بالنقاش الديني المستشري و المعهود. و ليحقق المسجد المقصد السامي من وجوده، فان اجراءات فورية و استعجالية يجب أن تنفذ، تبتدىء من مراجعة خصال و مميزات امام المسجد العقلية و الدينية و المعرفية، و تمر عبر شرط تحرير خطبة يوم الجمعة من الرقابة الرسمية و تمكينها من فضاء ممتد و مترام للتأثير، علاوة على بنود مادية و جوهرية، تعيد الهيبة و المنعة و سلطة التوجيه السليمة الى بيت الله و تساهم في انقاذه و انتشاله من السجن الحصين الذي يحيط بقوة بأدائه الفكري و المجتمعي، أو بكل بساطة، لاخراج المسجد من نسق "المفكر الأعرج" المرادف لمصطلحات التخلف و الانحطاط الشائعة عندنا.و في حالة استمرار سياسة محاصرة المساجد و أئمتها فانها ستظل بنايات معمارية روحانية مقصية عن التوجيه ازاء الواقع اليومي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مشاغل دينية. | السمات:مشاغل دينية.
دوّن الإدراج

























أكتوبر 22nd, 2006 at 22 أكتوبر 2006 8:17 م
الحمد لله رب العالمين اللهم احفظ الاسلام والمسلمين
شكرا لزيارة مدونتي و ها أنا أزور مدونتكم لأشكركم و تمنياتي لكم بالتوفيق.
أكتوبر 23rd, 2006 at 23 أكتوبر 2006 5:21 ص
اخي هشام
مساء الخير
اسف ان تكلمت خارج الموضوع ولكني جئت لاقول : كل عام وانت بالف خير بمناسبة العيد السعيد
أكتوبر 26th, 2006 at 26 أكتوبر 2006 9:59 م
أخي هشام عيدك مبارك وكل عام وانت بألف خير……….طرحك مميز لموضوع حساس ويتجاوز عقود كثيرة من الهيمنة السلطوية على خطب المساجد ليؤكد ان الخطر السياسي لأي نظام سيأتي من خطب المساجد لذلك فكل السلط والانظمة تواضب على بتر أي توجه خطبوي بالمساجد يخالف مصالحها ………الاكيد أن الاسلام كدعوة انتشرت و جاءت من خطب المساجد لكن بعد ذلك تم اقصاء دورها عندما تم اقصاء التوافق التشاوري وأصبح الحكم موروث لا يحتكم للكفاءة الدينية أو التوافق الشعبوي……
سبتمبر 26th, 2008 at 26 سبتمبر 2008 6:17 م
كلام رصين وفي محله تماما أعلم أن كل خطب الجمعة تقريبا مراقبة في بعض البلدان الإسلامية…
تحيتي