نحن و ملكنا الحسن
كتبهاهشام البرجاوي ، في 27 ديسمبر 2008 الساعة: 17:37 م
العديد من الكتابات التي صاحبت العهد الجديد تتحدث عن العهد الجديد كأنه انجاز جماعي للمجتمع المغربي الذي ما زال عاجزا عن التعبير عن تطلعاته انطلاقا من كونه المعني الأول بها. إذا تمكن المغاربة من اكتساب حرية الاختيار فسيكونون قادرين على تحمل نتائج الاختيارات التي يؤمنون بها. هذا الكلام بالرغم من معقوليته فإنه لا يتناسب مع الاستطاعة المعرفية للمغاربة، صحيح أن الديمقراطية إنتاج فكري وضع مكوناته مفكرون لامعون، إلا أنه كذلك ضرورة اجتماعية يستخرجها المتأمل البسيط في الظروف المعيشية المتردية لشعب ما. من المشهور أن الأغلبية الكاسحة من الشعب المغربي استهلاكية في كافة المجالات، و بالتالي فلا يصح أن تفرض عليه اتجاهات إستراتيجية محددة. مثل هذا الفعل اعتراف من جانب السلطة بجهل الشعب و بالتالي هو تبرير لممارسة الوصاية تحت شكل المصادرة. لكن، أ لا تدرك السلطة أن استخدام جهل الشعب الذي يعني غياب مفهوم المواطنة ينتزع منها الشرعية؟ الجواب هو أن السلطة متمسكة بشرعية الاستمرار و ليست مهتمة باستمرار الشرعية لسبب بديهي، الشرعية غير موجودة فلماذا التعب من اجل إثباتها. رأى مونتسكيو أن الديمقراطية تتحقق بفصل السلط، في الواقع هي تتحقق بفعل المواطنة التي تبني الديمقراطية و ليس العكس أو على الأقل مثلما هو ملموس في نوعية الحاجة المغربية إلى الديمقراطية.
استغلال الأمية المغربية كان رائجا أيام الملك الراحل الحسن الثاني، فقد قدم للشعب صورة عن رجل دولة صلب منحدر من الإمام علي و محاط بالبركة النبوية، بينما كان يتحدث للصحافة الفرنسية عن أفكار الفيزيائي و الفيلسوف باسكال. فرق شاسع في أسلوب التعامل، و هو فرق طبيعي جدا، إذ أن الكثير من المغاربة يعتنقون العقلانية لدى تواجدهم بالأراضي الأوروبية فقط، أما داخل المغرب فهم متمسحون نجباء بالبركة الحسنية. ربما كان الحسن الثاني يبرر تصرفات نظامه بكونه عالما ضاع بين جهال و الذي دعا له الرسول بالرحمة نظرا لوضعيته الصعبة، كدليل مخصص للفهم المغربي، أما المستوى اللافت لثقافته العالمية فهو كاف لتفسير سياساته للغربيين. أصبح واضحا أن السياسة في المنظور الحسني لعبة ظروف دقيقة، فالأحداث العلمانية يتصدى لها الحسن الثاني ذو الحس الدبلوماسي اللامع بينما يسير الأحداث الدينية الحسن الثاني أمير المؤمنين الذي يصدر الظهائر الشريفة على غرار الأحاديث الشريفة التي كان يصدرها النبي. هذا الاستنتاج مستشف من لقاء فرنسي أكد فيه الحسن الثاني أن كل إنسان مصاب بانفصام الشخصية. ما رأيكم؟ فتوى سايكلوجية ملكية أم نظرية سايكولوجية جديدة تستحق متابعة أكاديمية؟ كم هي جذابة صراحة الملك الراحل عندما يؤكد ابتعاده عن الإزعاجات الدستورية و الديمقراطية و اليسارية عندما يذكر معارضيه بأنه صاحب السلطة الدينية العليا و الضامن التاريخي و الأنثروبولوجي لوجود المغرب و حامي الحمى. و قد أثبت المغاربة مجددا أنهم يستحقون الملك الحسن الثاني عندما شارك اليساريون في حكومة تناوب حكم عليها بالسجن في غياهب دستور يؤكد امتثالها له أنه لا يتناقض مع الاشتراكية. مخطئ من يعتقد أن الحسن الثاني بذل جهودا خاصة لاستدراج خصومه الاشتراكيين، لقد جاؤوا إلى رحاب القصر الملكي و تسلموا سلطة إجرائية بعيدة كل البعد عن القرار.
مع انطلاق عهد محمد السادس، تشكل رأي شخصي بإصلاح بعض الواجهات المثقلة بالبصمات الحسنية من الغيار العميق، و كشف اليساريون عن دهشتهم باقتراح الملكية البرلمانية. لا شيء يحاسبون عليه، اعتادوا على السلوك السابق إلى أن اكتسى طابع الخلود في تقديراتهم، فكان أن سبقهم الملك محمد السادس إلى إضافة نكهة إصلاحية إلى الوصفات السياسية الوطنية. كل المبادرات الهامة على الساحة المغربية أسسها الملك و لم يكن للاشتراكيين أو الإسلاميين أو الأحزاب الديكورية أي حظ فيها، و هذا يدل على أن الإصلاح في بلدنا مرتبط بقوة بنزعات شخصية و بالنتيجة يبقى المغاربة حالمين بتطلعاتهم المؤجلة. و كما مرر الحسن الثاني فترته بالهيبة الشريفة فإن محمد السادس سيمررها بواسطة العهد الجديد. و باعطاء نظرة شمولية إلى القرارات المتطورة التي دشن بها الملك محمد السادس وصوله إلى الحكم، فإننا نستنتج بسهولة أن الحسن الثاني اهتم اهتماما فائقا بتكوين حاشية ملائمة للمغرب بعد رحيله، فعلى ماذا يدل هذا الأستنتاج؟ يدل على أن الحسن الثاني مازال حيا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المشهد العربي. | السمات:المشهد العربي.
دوّن الإدراج

























ديسمبر 31st, 2008 at 31 ديسمبر 2008 9:35 ص
صحيح، الحسن الثاني لا يزال حيا، لأنه دعم أسسا صلبة لمؤسسة دار المخزن، بحيث يعجز أي وارث للعرش عن تغييرها حتى ولو كان ملكا وطنيا مستقيما صالحا ميالا للعمل والعدل، بل إن الراحل جعل الاستقرار التداولي للملك مضمونا في كل الظروف، ومن هنا المقاومة الشديدة التي لقيها محمد السادس في بداية عهده حين غير الكثير من التوابث المقدسة، ليتراجع عن بعضها ويتشبث بالبعض الآخر(تراجع عن شبه منع تقبيل اليد وتشبث بإخراج زوجة الملك من الظل)
إنني لا أعترض على بقاء الحسن الثاني بيننا لكن أعترض على بقاء الفساد بكامل قوته وغطرسته
تحيتي العزيز هشام
يناير 1st, 2009 at 1 يناير 2009 10:45 ص
المهم في الأمر أن الحسن الثاني فكر جيدا في خلق معطيات استراتيجية تمكن الملكية في المغرب من التأقلم مع كل التحديات التي تواجهها، فقد تم رسم الملك محمد السادس في كاريكاتير و تم تسجيل جرأة صحفية في تحليل الخطابات الملكية لكن بهدف النقد البناء و ليس مطلقا من أجل الإنقلاب أو استبدال الثوابت. محو فكرة الإنقلاب في الأوساط الشعبية و المثقفة في المغرب كان أقوى انجاز استراتيجي للملك الراحل.
تحياتي الصديق علي
يناير 4th, 2009 at 4 يناير 2009 5:09 م
الملكية (السلطنة، الخلافة، إمارة المؤمنين…) إستطاعت أن تتكيف لقرون مع الطبيعة السياسية والثقافية للمغرب، وهي كـأي كائن حي، وفي خضم القلاقل التي عاشها التاريخ المغربي (الثورات، السيبا، الإنقلابات)، تمكنت من تطوير أساليبها وتكتيكاتها في الحياة تحت عنوان “البقاء”.
الملك الراحل الحسن الثاني لم يشد عن القاعدة، وبل كان أكثر الملوك، إن لم نقل أكثرهم على الإطلاق في تاريخ الدولة العلوية على الأقل،من أحسن إستعمالها.
إستطاع الراحل أن يبني لمملكته نظاما باتريمونياليا على نهج أبرز أسلافه (المولى إسماعيل وجيش البوخارى، الحسن الأول ووزيره الشهير باحماد…) يكون فيه المخزن الكلمة المفتاح والدرع القوي ضد الخصوم.
في مملكة محمد السادس لم يعد هناك شيء إسمه خصوم أو أعداء للإجماع حول الملكية بالمغرب من مختلف أطياف الشعب المغربي رغم بعض الحالات الشاذة القليلة جدا والغير المؤثرة، لكنه رغم ذلك لا يزال المخزن حاضرا والباتريمونيالية في أوجها مع ظهور حزب الأصالة والمعاصرة.
رغم مرور 10 سنوات من “العهد الجديد” لم يخرج المغرب بعد من فترة النقاهة الديموقراطية، وإن كان فعلا قد إستطاع أن يخرج نظامه من الشمولية إلا أنه لم يدخل بعد في إطار الأنظمة الديمقراطية الخالصة.. فعلا الملك يبني وبإخلاص.. لكن الخشية كل الخشية من معاول المخزن