أجيال التغيير: الفكرة لم تمت.

بعد انهيار الأنظمة الثورية العربية تباعا انفجر سد التشخيص لاخماد ما يشبه حريق الصدمة المفرطة الذي أعقب اغتيال حلم الارتقاء بالأوطان العربية إلى مستوى الشريك في صناعة الأحداث الدولية.

تلافيا لتكرار نفس الخطأ، يتوجب على الراغبين في التطور أن لا يسقطوا أمام اختبار التطبيق.

                             هشام البرجاوي / عماد السامرائي

                                                            أجيال التغيير


 

                

              



 

حقوق الانسان

كتبهاهشام البرجاوي ، في 25 يناير 2009 الساعة: 01:11 ص

إذا كان الرأي العلمي متمثلا في الخبرة الطبية عاملا حاسما في القانون سواء ما تعلق بممارسة واجبات دينية كالصيام أو تحديد هوية جنين، فلماذا يتزايد السجال حول المحتوى الحقوقي الذي يتعين نقله إلى المواطن؟ أ ليست حقوق الإنسان تطبيقات بالدرجة الأولى؟ أم أن هناك حقوقا جيدة و حقوقا سيئة؟ ما فائدة تحديد صنف الحق حسب المقياس الديني إذا كان استيفاؤه مرتبطا بالإرادة؟

قبل إثارة أي نقاش حول حقوق الإنسان يجب أن نحدد الفئة الاجتماعية التي تستهدفها بالأساس الثقافة الحقوقية. فتحديد الفئة المستهدفة بالثقافة الحقوقية سيمكن من إيجاد وسائل مناسبة لتبليغ الفكر الحقوقي قصد تحويله إلى ممارسة يومية لا تختلف عن استهلاك الغذاء أو أي نشاط يدخل في إطار المعتاد اليومي.  لقد توقف التنظير القانوني منذ انتهاء عصر الأنوار و وصل إلى نقطة النهاية مع انطلاق ثورة 1789. و أصبح القانون مع مطلع القرن العشرين مجرد وسيلة منسجمة مع تحولات المجتمع بعد أن كان مفروضا عليه من قبل الأشكال السياسية الفيودالية و الدينية. فظاهرة المثلية الجنسية التي كانت معروفة أيضا خلال القرون الوسطى تعرضت لقمع شديد من قبل الكنيسة، لكنها حاليا جزء من الحريات الشخصية الممنوحة بقوة القانون لكل مواطن يرغب في ممارستها دون الحاجة إلى التبرير، فالقانون موجود لحماية الرغبات و ليس مجسما عقلانيا صرفا مثلما يقول به بعض الباحثين في فلسفة القانون. الفئة المستهدفة بمفهوم حقوق الإنسان هي الفئة الإجتماعية التي لا تعي حقوقها و من هذا المنطلق يتحول مفهوم حقوق الإنسان  إلى مفهوم تطبيقي بحت مستقل عن اختلاف المدارس الفكرية.

عندما نقول إن حقوق الإنسان ثقافة، فهذا يقودنا إلى خاصية الاكتساب التي بدورها تقودنا إلى التربية. فكل ما هو ثقافي يدخل في إطار ما هو اكتسابي الذي يستوعبه كل ما هو تربوي. هذه العناصر الثلاثة المترابطة فيما بينها تضعنا أمام مفردات حساسة تستخلص منها،  فالقول بأن حقوق الإنسان ثقافة يحيل إلى كونيتها،  بمعنى أنها تتجاوز كل العراقيل التقليدية ذات الطبيعة الصراعية أو الأيديولوجية كالدين و التاريخ و المصالح الاستراتيجية، غير أن الاقتصار على التعريف الثقافي يطرح  مشكل المدى العملي و التطبيقي للثقافة الحقوقية، فإذا كانت الثقافة تشير إلى الكونية، فهي لا تشمل القدرة التطبيقية و قد تتصل باعتبارات امتيازية كالارستقراطية و تفاوت فرص التعليم. هذا المشكل الذي يهدم الوجود الغائي و السببي لثقافة حقوق الإنسان تحله خاصية الإكتسابية، التي تعني بكل اختصار أن كل انسان مادام متحصلا على الشخصية القانونية ( أي أنه سليم علميا و مختبريا)  قادر على استيعاب ثقافة حقوق الإنسان. بعد التحديدات المستخرجة من عنصري الثقافة و الإكتساب يبقى سؤال الكيفية، و هو ما يجيب عنه العنصر الثالث أي التربية. و لدى الحديث عن التربية فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو اللغة باعتبارها الوسيلة التربوية بامتياز و التي تسمح باستخدام المهارات الاكتسابية من ملاحظة و تتبع و اعادة صياغة و طرح تساؤلات. 

حقوق الإنسان إذن منظومة من الأفكار التطبيقية و ليست مرتعا للخلافات الدينية و الفكرية، صحيح أن الخلفية الدينية حاضرة بقوة في  بلدان العالم الإسلامي، إلا أنه ليس من المفروض أن تدمج الخلفية الدينية  مع  الهدف الأسمى للقانون و المختزل في تلبية طلبات و رغبات المواطن ما لم تلحق الضرر بالمصلحة العمومية. هذا القول يجد مثالا عمليا في ظاهرة المثلية الجنسية المنتشرة بدول الخليج، حيث يكون المواطن مثليا في علاقته الجنسية لكنه يؤدي واجباته الدينية. التناقض بين القانون و الدين يجد جاذبية مهمة في الشرق الأوسط نظرا لأن الأنظمة السياسية ترفض الإقرار بوجوده، أما في الغرب فقد أصبح جزء من المعتاد اليومي، فبينما تسمح القوانين الوضعية  أي الفعلية بالمثلية الجنسية يعتبرها البابا موردا للرذيلة، و قد دعا البابا بندكتوس السادس عشر  خلال إحدى عظاته إلى تعزيز العفة التي عرفت نكوصا خطيرا بالبلدان المسيحية. الفرق بين النموذجين هو التربية القانونية، فالمواطن المسلم يتربى منذ الطفولة على قاعدة أساسية مفادها أن الدين يساوي القانون، في الوقت الذي يدرك فيه المواطن الغربي مبكرا أن الاختلاف بين الدين و القانون موجود و هو عادي و ليس منبعا لأي نوع من الاختلالات سواء النفسية أو الاجتماعية. و كاختتام عملي، فكل سلوك يقوم به إنسان ما و يعي بأنه يتناقض مع الدين و مع ذلك لا يؤثر على امتثاله لما تبقى من تعاليم الدين هو سلوك قانوني.   

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ملخصات فكرية. | السمات:
  دوّن الإدراج  

3 تعليق على “حقوق الانسان”

  1. أستاذ هشام.
    كلما بحثنا في جوهر حقوق الإنسان ووسعنا في نطاق بحثنا إحتقرنا الحقوق القائمة في إنتظار الظروف التي تحقق ما هو أعلى وأكمل.
    الحرية الليبرالية الغربية تجاوزت عدة عقبات لا تزال قائمة لدينا لكنها في نظري لم تشذ عن القاعدة : تجاوز الجوهر والإمعان في جزء مما هو قائم من الحريات كتلك التي تتخذ إتجاه الزيغ عن هذا الجوهر، ومسألة المثلية الجنسية التي أوردت في مقالك القيّم مثال واضح عن هذا الزيغ.. وأضيف مسألة إزدواجية المعايير في تطبيق هذه الحقوق أو في توسيع مجال الحريات.
    تقديري الكبير لقلمك.

  2. أدعوك صديقي هشام لمشاهدة مقطع فيديو ساخر لمقابلة تلفزيونية في برنامج الغينيولات بين صحفي البرنامج وكل من الرئيس ساركوزي والكولونيل القذافي. المقطع يتناول شخصيتي الزعيمين بأسلوب جد ساخر وبالغ الروعة

    تحياتي

    سعيد

  3. ملاحظة .. بالطبع البرنامج هو لدمى تحاكي الشخصيات حقيقية



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر