أزمة الزمن.
كتبهاهشام البرجاوي ، في 1 مايو 2007 الساعة: 15:09 م
الذي يصوغ التحليل السياسي انسان يؤمن بقناعات محددة، خصوصا القناعات المتصلة بمناهج و أساليب التطوير الاقتصادي و الاجتماعي التي تبقى أكثر وضوحا و سهولة للنقد و التحليل اذا ما قورنت بالقناعات الأيديولوجية التي يستحيل أن تخضع للنقد و التدخل البشري بالتعليق، مثلا، بسبب تطور مفاهيمها و تعاريفها. فالمدافع عن العلمانية لم يعد مترنحا أمام حسابات الانتقادات الاسلامية السلفية، لأن المعنى القديم للعلمانية تبدل جذريا تقريبا، و تجاوز الصيغة التقليدية الداعية الى ترك ما لله لله و تمتين الهوية المجتمعية القانونية للفرد بهدف تعميم كفاءاته ليستفيد منها فريق ممتد من الناس من نفس المجتمع و من مجتمعات مختلفة. و ازداد البريق العلماني بعد أن انبرى التفكير في :"علمانية عربية" تتميز عن :"العلمانية الغربية" و ان جمعت بينهما علاقة فضل للفكر العلماني الغربي على الفكر العلماني العربي، و ليست علاقة تفوق و جودة، و انما علاقة من حيث الزمن، فالغربيون سبقوا العرب في التنظير و الاجراء العلمانيين. و كما استغل العلمانيون ليونة المصطلحات لتأليق مذهبهم، فقد خسروا مفردات مشهورة كالرجعية و الظلامية و التي رشقوا بها الاسلاميين طيلة سنوات، لأن الفصيل الاسلامي جدد مصطلحاته و راجع أفكاره أيضا، قد لا يكون ذلك التجديد الأصولي، لكنه تجديد ناجع يحفظ للسلفيين وميضا غير خافت داخل المجتمعات العربية و الاسلامية عموما.
السياسة وفق المنظور العلماني تتعلق من حيث الممارسة بمناصب التسيير و الادارة، و من حيث هي شكل من أشكال الفكر البشري المستشري على مرحلتين: مرحلة التنظير المجرد و مرحلة الاسقاط على المجتمع أو التطبيق و التمثل، فانها تعنى بضروريات المنصب و التأثيرات السلوكية و العقلية المتبادلة بين الدرجة الاجتماعية و السلطوية للمنصب و الأيديولوجيا التي يعتقد بها صاحب المنصب(عندما نقول مثلا، ان الرئيس الفنزويلي استخدم النفط لتشييد أساس ترتفع عليه وحدة لاتينية). و هي أيضا في مظاهرها المتطورة، استشراف للمستقبل يقاس مقدار جودته و حصافته بفعالية مضادات المشاكل التي اخترعها قبل حدوث المشاكل. المثال الذي يمكن أن نستشهد به في سياق الاستباق السياسي هو اليابان. ان اليابان ما قبل قصف هيروشيما بالسلاح النووي صورة مناقضة ليابان ما بعد القصف. ثم مثال الصين، الذي يصنف في صدارة لائحة المسارات الانبعاثية الرائدة.
الاستشراف السياسي الياباني المنطوي على التخطيط العسكري في النموذج الياباني لم يكن نشيطا و ناجعا، لأن انهزام الجيش الياباني لم يتم على فترات زمنية متباعدة و انما في وقت وجيز تلى تلقيه المباغت لقنبلة مدمرة. و قد يفسر هذا الخلل باهظ التكلفة بالاخلاص الياباني لالتزاماته مع حلف المحور. و الاسهاب في استرداد الأحداث التاريخية لن يفيد في تركيب خصائص تقنية التحليل السياسي، الذي هو سلسلة من عمليات منطقية تتأثر سلبا بالانفعالات الوجدانية المؤقتة التي تفرزها أحداث خاصة كالثورات الشعبية، تدفع المحلل الى الاستفاضة في دروس موعظية عتيقة، كالوفاء للمبادىء و علاقة المبادىء و القيم بالسياسة هي علاقة تضاد بحت. فهندما خرق الانسان الواعي( أي العارف بالتعريفات المتداولة لقيمة التسامح أو التكافل أو الواجب أو الحق…مثلا)المبادىء ذات النفع العام و المعصومة ثقافيا(أي التي توافق عليها جميع الثقافات مع اختلافات طفيفة في التطبيق، فالتعاون الاجتماعي في الهند يحمل نفس المعنى و بالتالي نفس التطبيق تقريبا في البرازيل و هو نفسه في كافة أصقاع العالم) انبلج التصرف السياسي و المرتكز على تشويه معنى قيمة محددة، التعاون مثلا، للحصول على مكسب ذي نفع فردي. هذه الظاهرة ليست محددة بدقة زمنيا. و هي من نوع الظواهر الانسانية التي يجب أن نفهمها و نتبنى موقفا ازاءها و لا ننفق الجهود المضنية للكشف عن اطارها الزمني الدقيق. و لا يعني العجز في ضبط الزمن قصورا في القدرة البشرية، مثلا، كما نواجهه مع تاريخ التصرف السياسي الذي نجهل توقيت تشكله. فحتى المظاهر الأكثر بساطة للثقافة الانسانية كالأكل بواسطة اليد اليمنى أو اليسرى مثلا، و الاختلاء بالنفس عند قضاء الحاجات البيولوجية، و اعتمار الملابس امتثالا لقيمة الحياء و الحشمة، لا نملك التواريخ الدقيقة لبداية الشروع في انتهاجها، و انما نحاول أن نقنع عقولنا بفرضيات آركيولوجية و انثروبولوجية متنوعة. انها أزمة الزمن. فلم ينتصر الانسان عليه و لم يتحكم فيه.
أزمة الزمن بجميع أشكالها لم تعد تشغل الا فئة متقلصة من المثقفين عموما، لأن تقادمها و اخفاق شعب العلوم العالية الدقة في تطويعها أدى الى تكيف الانسان معها و بدأ يقر بهزيمته أمامها مستعيضا عن خسارته بالاستمتاع بالمعجزات التي أبهره العلم بها. فالانسان المهيمن على هاتف متطور يربطه بعائلته و أصدقائه دون خوف من الاكراه الجغرافي، و الانسان المسيطر على حاسوب يحفظ له معلوماته و ينظم له تحركاته اليومية بالتفصيل المضحك أحيانا، هذا الانسان لن يفكر في ترفيات منسية كأزمة الزمن المتفرعة. و ربما قد تكون الرفاهية و نقيضها الفقر المدقع سببين ينجم عنهما انخفاض في مستوى الذكاء الطبيعي أو الذكاء التصاعدي(الذكاء الذي فهم أن الكهرباء تستعمل للانارة و لكنه طورها لتشرح له آليات التواصل العصبي و الهرموني لدى الانسان مثلا). و سيظل هذين السببين فرضية لن تكتسي المشروعية الا من خلال برهنة علمية محضة. رغم أنها فرضية تعكس تفوق الانسان على عجز العلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ملخصات فكرية. | السمات:ملخصات فكرية.
دوّن الإدراج

























مايو 1st, 2007 at 1 مايو 2007 9:58 م
اخي هشام البرجاوي السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سردك لهذه المقالة رائع من حيث ابتدأتها بالفئة الواعية وتعريفها ، ثم مرورك بالمتغيرات والتطورات المتعلقة بتمسك الانسانية بافكارها وتوافقها مع التغيرات المجتمعية ، انتهاءا بأزمة الزمن التي اضطر ت الانسان (بحسب وصفك) الى التكيف معها . توضيح وتعريجات فيها تعمق كبير في الواقع وتمنيت لو اضفت اليها مسحة حول صراع هذه الافكار في الزمن الواحد وياليتك تفعل في مقالة اخرى
سررت بالاطلاع على هذا التدوين الذي تفوح منه رائحة التحليل السياسي والانثروبولوجي معا ..
مايو 1st, 2007 at 1 مايو 2007 10:53 م
الأستاذ هشام برجاوي..
موضوعك غاية في التكثيف والتركيز..
كما هي قهوة الاسبرسو..
….. وهناك مفردات كانت من مسلمات نهج التحرر والتقدم… بفعل التغييرات السياسية على الساحة الدولية أصبحت عقيمة المعنى مثل… السلام والإمبريالية.. ألخ
وشاعت مفردات جديدة انبثقت من محاولات أهل السياسة الالتفاف على حركات التحرر والانبعاث… أهمها تسمية المقاومة بالإرهاب..!
تقديري واحترامي..
ربيعة الناصر
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 6:21 ص
مواضيعك كلها رائعه
ارجو منك المذيد
أحمد ثروت
مصر
المنصوره
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 6:11 م
اخي العزيز هشام
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
مقالك شيق بتعريفاته و دقته
و مدى تشبث الإناس و التكيف مع متغيرات الحياة معا
و نهاية هذا التكيف
شو بدي غير : الله يرحم من قراك
يسعدني كثيرا تواصلك من خلال مدونتي المتواضعة
أختك سعاد البدري
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 8:10 م
الاخ والصديق الغالي د\هشام برجاوي هلا بيك ….تابعت حوارك الحضاري والر د الفارسي العنجهي عليك ! لا تبالي ولا تحاور عدوا وان لبس ثوب الانسانيه يا صديقي ! اكبر فيك موضوعيتك وقدرتك على الحوار المنطقي …..واتمنى عليك ان لا تنزلق لمحاورة الاغبياء ……الغبي يغلب غالبا الفيلسوف لانه غبي غوغائي ! سنبقى على هويتنا القوميه العربيه ……. لا نملك الا ان نكون عربا …… وان كرة المتأسلمون
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 10:20 م
السيدة شروق عبد الله:
اسمحي لي سيدتي الكريمة أن أتشرف بالحديث معك و اسمحي لي أن أقول لقد شرفتني بزياراتك.و كيف لا أفتخر و زائرتي سيدة عراقية أصيلة أبت الا أن تمعن في الاخلاص للوطن العربي العراقي المغتصب.
هنيئا لكم موكب الهيبة من الشهداء الغر المحجلين.هنيئا لكم يا شعب الأمجاد، يا الذي ليس كمثله من الشعوب غير شعبنا الفلسطيني الصامد.هنيئا للعروبة بأبطالها الميامين النشامى الطيبين.و هنيئا للدين.
اسمحي لي أن أعبر و أطنب في وصفكم يا شعبنا البطل.قد يرى البعض أني أحلم، بيد أنني أقول ما هو حقيقة.
تحياتي و عاش العراق.
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 10:22 م
الأستاذة ربيعة الناصر:
تعليق غاية في الدقة.لقد حددت جزءا أساسيا من المقال و هو ألاعيب المفاهيم.التي أضحت صناعة تدر قوت العيش على مزاوليها.
أنبل التحايا.
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 10:23 م
الأستاذ أحمد ثروت:
أشكرك جزيل الشكر على تعليقك و تشجيعك.أهلا بك،أستاذي، صديقا جديدا لي.أنا قادم لمدونتك.
تحياتي و مودتي.
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 10:26 م
الأستاذة سعاد:
أعجبني شو للي بدك أختي الطيبة.يعني الي قراني صاير له فضل على اللي أنا أسويه.
لا أتقن لغة العراقيين كثيرا لكن، قد أقصد الشاعر السامرائي أو السيدة شروق ليعلماني.
تحياتي و احترامي.
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 10:29 م
العزيزة، الأستاذة سامية فارس:
يريدون الانقضاض على عروبتنا السرمدية الراسخة الأصيلة الصامدة.الأوغاد الغوغائيون.المتصفينون و المتأمركون و المتصهينون.سنظل عربا موحدين متعايشين طيبين، يجمعنا التاريخ الواحد و المستقبل الواحد و خندق الجهاد الواحد.
أقسم انك تفرحينني بتعليقاتك العطرة.أحس من خلالها أن فلسطيننا الصامدة عربية أصيلة.هي موطن المسلم و اليهودي و المسيحي، شرط أن يكون عربيا فلسطينيا.
يوليو 3rd, 2007 at 3 يوليو 2007 10:28 ص
استاذ هشام سأخذ هذا الموضوع ويجب ان اكتب اسمك لأن هذا هو الهدف التعارف وشيوع المعرفة شكرا اخي الكريم